فصل: تفسير الآية رقم (100)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏87‏]‏

‏{‏قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ ذو القرنين لذلك النبي أو لمن عنده من خواصه بعد أن تلقى أمره تعلى مختاراً للشق الأخير من شقي التخيير حسبما أرشد إليه ‏{‏أَمَّا مَن ظَلَمَ‏}‏ نفسه ولم يقبل دعوتي وأصر على ما كان عليه من الظلم العظيم الذي هو الشرك ‏{‏فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ‏}‏ بالقتل، والظاهر أنه كان بالسيف، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ كان عذابه أن يجعلهم في بقر من صفر ثم يوقد تحتهم النار حتى يتقطعوا فيها وهو بعيد عن الصحة، وأتى بنون العظمة على عادة الملوك، وإسناد التعذيب إليه لأنه السبب الآمر، ودعوى صدور ذلك منه بالذات في غاية البعد، وقيل‏:‏ أراد من الضمير الله تعالى ونفسه والإسناد باعتبار الخلق والكسب وهو أيضاً بعيد مع ما فيه من تشريك الله تعالى مع غيره في الضمير وفيه من الخلاف ما علمت ‏{‏ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ‏}‏ في الآخرة ‏{‏فَيْعَذّبُهُ‏}‏ فيها ‏{‏عَذَاباً نُّكْراً‏}‏ أي منكراً فظيعاً وهو العذاب في نار جهنم، ونصب ‏{‏عَذَاباً‏}‏ على أنه مصدر يعذبه، وقيل‏:‏ تنازع فيه هو ونعذبه والمراد بالعذاب النكر نظراً إلى الأول ما روى عن السدي وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى‏.‏ وفي قولو‏:‏ ‏{‏إلى رَبّهِ‏}‏ دون إليك دلالة على أن الخطاب السابق لم يكن بطريق الوحي إليه وإن مقاولته كانت مع النبي أو مع خواصه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏88‏]‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ ءامَنَ‏}‏ بموجب دعوتي ‏{‏وَعَمِلَ‏}‏ عملاً ‏{‏صالحا‏}‏ حسبما يقتضيه الايمان ‏{‏فَلَهُ‏}‏ في الدارين ‏{‏جَزَاء الحسنى‏}‏ أي فله المثوبة الحسنى أو الفعلة الحسنى أو الجنة جزاء على أن جزاء مصدر مؤكد لمضمون الجملة قدم على المبتدا اعتناء به أو منصوب بمضمر أي يجزى بها جزاء، والجملة حالية أو معترضة بين المبتدا والخبر المتقدم عليه أو هو حال أي مجزياً بها‏.‏ وتعقب ذلك أبو الحسن بأنه لا تكاد العرب تتكلم بالحال مقدماً إلا في الشعر، وقال الفراء‏:‏ هو نصب على التمييز‏.‏

وقرأ ابن عباس‏.‏ ومسروق ‏{‏جَزَاء‏}‏ منصوباً غير منون، وخرج ذلك المهدوي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وخرجه غيره على أنه حذف للإضافة والمبتدأ محذوف لدلالة المعنى عليه أي فله الجزاء جزاء الحسنى‏.‏

وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق بالرفع والتنوين على أنه للمبتدا و‏{‏الحسنى‏}‏ بدله الخبر الجار والمجرور‏.‏

وقرأ غير واحد من السبعة بالرفع بلا تنوين، وخرج على أنه مبتدأ مضاف قال أبو علي‏:‏ والمراد على الإضافة جزاء الخلال الحسنة التي أتاها وعملها أو المراد بالحسنى الجنة والإضافة كما في دار الآخرة‏.‏

‏{‏وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا‏}‏ أي مما نأمر به ‏{‏يُسْراً بِهِ‏}‏ ‏{‏يُسْراً‏}‏ أي سهلاً ميسراً غير شاق، وتقديره ذا يسر وأطلق عليه المصر مبالغة، وقرأ أبو جعفر ‏{‏يُسْراً‏}‏ بضمتين حيث وقع هذا، وقال الطبري‏:‏ المراد من اتخاذ الحسن الأسر فيكون قد خير بين القتل والأسر، والمعنى إما أن تعذب بالقتل وإما أن تحسن إليهم بإبقاء الروح والأسر، وما حكى من الجواب على هذا الوجه قيل من الأسلوب الحكيم لأن الظاهر أنه تعالى خيره في قتلهم وأسرهم وهم كفار فقال أما الكافر فيراعى فيه قوة الإسلام وأما المؤمن فلا يتعرض له إلا بما يجب‏.‏

وفي «الكشف» أنه روعي فيه على الوجهين نكتة بتقديم ما من الله تعالى في جانب الرحمة دلالة على أن ما منه تابع وتتميم وما منه في جانب العذاب رعاية لترتيب الوجود مع الترقي ليكون أغيظ، وكأنه حمل ‏{‏فَلَهُ‏}‏ الخ على معنى فله من الله تعالى الخ وهو الظاهر، وجوز حمل ‏{‏إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ‏}‏ على التوزيع دون التخيير، والمعنى على ما قيل‏:‏ ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإحسان فالأول لمن بقي على حاله والثاني لمن تاب فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏89‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً‏}‏ أي طريقاً راجعاً من مغرب الشمس موصلاً إلى مشرقها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏90‏]‏

‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏‏}‏

‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس‏}‏ يعني الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من معمورة الأرض أي غاية الأرض المعمورة من جهة المشرق‏.‏

وقرأ الحسن‏.‏ وعيسى‏.‏ وابن محيصن ‏{‏مَطْلِعَ‏}‏ بفتح اللام ورويت عن ابن كثير وأهل مكة وهو عند المحققين مصدر ميمي والكلام على تقدير مضاف أي مكان طلوع الشمس والمراد مكاناً تطلع عليه، وقال الجوهري إنه مكان كمكسور اللام فالقراءتان متفقتان من غير تقدير مضاف، وقد صرح بعض أئمة التصريف أن المطلع جاء في المكان والزمان فتحاً وكسراً، وما آثره المحققون مبني على أنه لم يرد في كلام الفصحاء بالفتح إلا مصدراً ولا حاجة إلى تخريج القرآن على الشاذ لأنه قد يخل بالفصاحة، وقال أبو حيان‏:‏ إن الكسر سماع في أحرف معدودة وهو مخالف للقياس فإنه يقتضي أن يكون مضارعه تطلع بكسر اللام، وكان الكسائي يقول‏:‏ هذه لغة ماتت في كثير من لغات العرب يعني ذهب من يقول من العرب تطلع بكسر اللام وبقي مطلع بكسرها فـ ياسم الزمان والمكان على ذلك القياس انتهى فافهم، ثم أن الظاهر من حال ذي القرنين وكونه قد أوتي من كل شيء سبباً أنه بلغ مطلع الشمس في مدة قليلة، وقيل‏:‏ بلغه في اثنتي عشرة سنة وهو خلاف الظاهر إلا أن يكون أقام في أثناء سيره فإن طول المعمورة يقطعه بأقل من هذه المدة بكثير السائر على الاستقامة كما لا يخفى على العارف بالمساحة‏.‏ ‏{‏وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً‏}‏ أخرج ابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظيمة عن ابن جريج قال‏:‏ حدثت عن الحسن عن سمرة بن جندب قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية لم نجعل لها من دونها ستراً بناء لم يبن فيها بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس» وأخرج جماعة عن الحسن وذكر أنه حديث سمرة أن أرضهم لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه فإذا غابت خرجوا يتراعون كما تراعى البهائم، وقيل‏:‏ المرا لا شيء لهم يسترهم من اللباس والبناء، وهم على ما قيل قوم من الزنج، وقيل‏:‏ من الهنود، وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من أهل الأرض، عن وبعضهم خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقالوا بينك‏:‏ وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلبس الأخرى ومعه صاحب يعرف لسانهم فقالوا له‏:‏ جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشى علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فادخلونا سرباً لهم فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر يصطادون الشمس ويطرحونه في الشمس فينضج لهم انتهى‏.‏

وأنت تعلم أن مثل هذه الحكايات لا ينبغي أن يلتفت إليها ويعود عليها وما هي إلا أخبار عن هيان ابن بيان يحكيها العجائز وأمثالهن لصغار الصبيان، وعن وهب بن منبه أنه يقال لهؤلاء القوم منسك، وظاهر الآية لوقوع النكرة فيها في سياق النفي يقتضي أنهم ليس لهم ما يسترهم أصلاً وذلك ينافي أن يكون لهم سرب ونحوه، وأجيب بأن ألفاظ العموم لا تتناول الصور النادرة فالمراد نفي الساتر المتعارف والسرب ونحوه ليس منه، وأنت تعلم أن عدم التناول أحد قولين في المسألة، وقال ابن عطية‏:‏ الظاهر أن نفي جعل ساتر لهم من الشمس عبارة عن قربها إليهم وتأثيرها بقدرة الله تعالى فيهم ونيلها منهم ولو كانت لهم أسراب لكان لهم ستر كثيف انتهى، وحينئذ فالنكرة على عمومها، وأنا أختار ذلك إلى أن تثبت صحة أحد الأخبار السابقة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏91‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏كذلك‏}‏ خبر مبتدأ محذوف أي أمر ذي القرنين ذلك، والمشار إليه ما وصف به قبل من بلوغ المعرب والمشرق وما فعله، وفائدة ذلك تعظيمه وتعظيم أمره أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أي وجدها تطلع وجداناً كوجدانها تغرب في عين حمئة أو صفة مصدر محذوف لنجعل أي لم نجعل لهم ستراً جعلاً كائناً كالجعل الذي لكم فيما تفضلنا به عليكم من الألبسة الفاخرة والأبنية العالية، وفيه أنه لا يتبادر إلى الفهم أو صفة ‏{‏سِتْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 90‏]‏ والمعنى عليه كسابقه، وفيه ما فيه أو صفة ‏{‏قَوْمٌ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 90‏]‏ أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليه الشمس في الكفر والحكم أو معمول بلغ أي ‏{‏بَلَغَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 90‏]‏ مغربها كما بلغ مطلعها‏.‏

‏{‏وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ‏}‏ من الجنود والآلات وأسباب الملك ‏{‏خُبْراً‏}‏ علماً تعلق بظواهره وخفاياه ويفيد هذا على الأول زيادة تعظيم الأمر وأنه وراء ما وصف بكثير مما لا يحيط به الأعلم اللطيف الخبير، وهو على الأخير ويل لما قاسى في السير إلى أن بلغ فيكون المعنى وقد أحطنا بما لاقاه وحصل له في أثناء سيره خبراً أو تعظيم للسبب الموصل إليه في قوله تعالى ‏{‏فأتبع سبباً حتى إذا بلغ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 85، 86‏]‏ أي أحطنا بما لديه من الأسباب الموصلة إلى هذا الموضع الشاسع مما لم نؤت غيره وهذا كما في «الكشف» أظهر من التهويل، وعلى الثاني تتميم يفيد حسن اختياره أي أحطنا بما لديه من حسن التلقي وجودة العمل خبراً، وعلى الثالث لبيان أنه كذلك في رأي العين وحقيقته لا يحيط بعلمها غير الله تعالى، وعلى الرابع والخامس تذييل للقصة أو بالقصتين فلا يأباهما كما توهم، وعلى السادس تتميم يؤكد أنه سن بهم سنته فيمن وجدهم في مغرب الشمس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏92‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏92‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً‏}‏ طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من مطلع الشمس إلى الشمال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏93‏]‏

‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ‏(‏93‏)‏‏}‏

‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ‏}‏ أي الجبلين، قال في «القاموس»‏:‏ السد الجبل والحاجز؛ وإطلاق السد عليه لأنه سد فجا من الأرض، وقيل‏:‏ إطلاق ذلك عليه هنا لعلاقة المجاورة وليس بذاك، وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ وأبو بكر‏.‏ ويعقوب بضم السين، والمعنى على ما قال الكسائي واحد، وقال الخليل‏.‏ وس‏:‏ السد بالضم الاسم وبالفتح المصدر، وقال ابن أبي إسحق‏:‏ الأول ما رأيته عيناك والثاني ما لا تريانه، وقال عكرمة‏.‏ وأبو عمرو بن العلاء‏.‏ وأبو عبيدة؛ الأول ما كان من خلق الله تعالى لا دخل لصنع البشر فيه والثاني ما كان لصنع البشر دخل فيه، ووجه دلالة المضموم على ذلك أنه بمعنى مفعول ولكونه لم يذكر فاعله فيه دلالة على تعين وعدم ذهاب الوهم إلى غيره فيقتضي أنه هو الله تعالى، وأما دلالة المفتوح على أنه من عمل العباد فللاعتبار بدلاله الحدوث وتصوير أنه ها هو ذا يفعله فليشاهد، وهذا يناسب ما فيه مدخل العباد على أنه يكفي فيه فوات ذلك التفخيم، وأنت تعلم أن القراءة بهما ظاهرة في توافقهما وعدم ذكر الفاعل والحدوث أمران مشتركان، وعكس بعضهم فقال‏:‏ المفتوح ما كان من خلقه تعالى إذ المصدر لم يذكر فاعله والمضموم ما كان بعمل العباد لأنه بمعنى مفعول والمتبادر منه ما فعله العباد وضعفه ظاهر، وانتصاب ‏{‏بَيْنَ‏}‏ على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الروف المتصفة ما لم يركب مع آخر مثله، وقيل‏:‏ إنه ظرف والمفعول به محذوف وهو ما أراده أو نحوه، وهذا السدان فيه يقرب من عرض تسعين من جهة الشمال وهو المراد بآخر الجربياء في كتاب حزقيال عليه السلام، وقد ذكر بعض أحبار اليهود أن يأجود ومأجوج في منتهى الشمال حيث لا يستطيع أحد غيرهم السكنى فيه وهم في زاوية من ذلك لكنهم لم يتحقق عندهم أنهم فيما يلي المشرق من الشمال أو فيما يلي المغرب منه، وهذا موافق لما ذكرناه في موضع السدين وهو الذي مال إليه كاتب جلبي، وقيل‏:‏ هما جبلاً أرمينية وأذربيجان ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإليه يميل صنيع البيضاوي‏.‏

وتعقب بأنه توهم ولعل النسبة إلى الحبر غير صحيحة، وكان من يزعم ذلك يزعم أن سد ذي القرنين هو السد المشهور في باب الأبواب وهو مع استلزامه أن يكون يأجوج ومأجوج الخزر والترك خلاف ما عليه المؤرخون فإن باني ذلك السد عندهم كسرى أنو شروان، وقيل‏:‏ اسفنديار وهو أيضاً لم يبق إلى الآن بل خرب من قبل هذا بكثير، وزعم أن السد ويأجوج ومأجوج هناك وأن الكل قد تلطف بحيث لا يرى كما يراه عصرينا رئيس الطائفة المسماة بالكشفية السيد كاظم الرشتي ضرب من الهذيان وإحدى علامات الخذلان‏.‏

وقال ابن سعيد‏:‏ إن ذلك الموضع حيث الطول مائة وثلاثة وستون درجة والعرض أربعون درجة، وفيه أن في هذا الطول والعرض بلاد الخنا والجين وليس هناك يأجوج ومأجوج، نعم هناك سد عظيم يقرب من مائتينوخمسين ساعة طولاً لكنه ليس بين السدين ولا بانيه ذو القرنين ولا يكاد يصدق عليه ما جاء في وصف سده، ويمنع من القول بذلك أيضاً ما لا يخفى، وقيل‏:‏ هما بموضع من الأرض لا نعلمه وكم فيها من أرض مجهولة ولعله قد حال بيننا وبين ذلك الموضع مياه عظيمة، ودعوى استقراء سائر البراري والبحاري غير مسلمة، ويجوز العقل أن يكون في البحر أرض نحو أمريقا لم يظفر بها إلى الآن وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود وبعد إخبار الصادق بوجود هذين السدين وما يتبعهما يلزمنا الايمان بذلك كسائر ما أخبر به من الممكنات والالتفات إلى كلام المنكرين ناشيء من قلة الدين ‏{‏وَجَدَ مِن دُونِهِمَا‏}‏ أي السدي ‏{‏قَوْماً‏}‏ أمة من الناس قيل هم الترك، وزعم بعضهم أن القوم كانوا من الجان وهو زعم باطل لا بعيد كما قال أبو حيان‏.‏

‏{‏لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً‏}‏ من أقوال اتباع ذي القرنين أو من أقوال من عداهم لغرابة لغتهم وبعدها عن لغات غيرهم وعدم مناسبتها لها مع قلة فطنتهم إذ لو تقاربت فهموها ولو كثرت فطنتهم فهموا ما يراد من القول بالقرائن فتعلموه، والظاهر إبقاء القول على معناه المتبادر‏.‏

وزعم بعضهم أن الزمخشري جعله مجازاً عن الفهم مطلقاً أو عما من شأنه أن يقال ليشمل الإشارة ونحوها حيث قال‏:‏ أي لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها، وفيه نظر، والظاهر أنه فهم من نفي يكاد إثبات الفهم لهم لكن يعسر وهو بناء على قول بعضهم‏:‏ إن نفيها إثبات وإثباتها نفي وليس بالمختار‏.‏

وقرأ الأعمش‏.‏ وابن أبي ليلى‏.‏ وخلف‏.‏ وابن عيسى الأصبهاني‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏يَفْقَهُونَ‏}‏ من الأفعال أي لا يكادون يفهمون الناس لتلعثمهم وعدم تبيينهم الحروف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي بواسطة مترجمهم فإسناد القول إليهم مجاز، ولعل هذا المترجم كان من قوم بقرب بلادهم، ويؤيد ذلك ما وقع في مصحف ابن مسعود قال‏:‏ الذين من دونهم أو بالذات على أن يكون فهم ذي القرنين كلامهم وإفهامه إياهم من جملة من أتاه الله تعالى من الأسباب، وقال بعضهم‏:‏ لا يبعد أن يقال القائلون قوم غير الذين لا يفهمون قولاً ولم يقولوا ذلك على طريق الترجمة لهم وأيد بما في مصحف ابن مسعود‏.‏ وأياً ما كان فلا منافاة بين ‏{‏لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 93‏]‏‏.‏

وقالوا‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ‏}‏ قبيلتان من ولد يافث بن نوح عليه السلام وبه جزم وهب بن منبه وغيره واعتمده كثير من المتأخرين‏.‏ وقال الكسائي في العرائس‏:‏ إن يافث سار إلى المشرق فولد له هناك خمسة أولاد جومر‏.‏ وبنرش‏.‏ وأشار‏.‏ واسقويل ومياشح فمن جومر جميع الصقالبة والروم وأجناسهم ومن مياشح جميع أصناف العجم ومن أشار يأجوج ومأجوج وأجناسهم ومن اسقويل جميع الترك ومن بنرش الفقجق واليونان‏.‏ وقيل‏:‏ كلاهما من الترك وروى ذلك عن الضحاك، وفي كلام بعضهم أن الترك منهم لما أخرجه ابن جرير‏.‏ وابن مردويه من طريق السدي من أثر قوي الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجين عنه، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة أن يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت واحدة منهم خارجة للغزو فبقيت خارجة وسميت الترك لذلك» وقيل‏:‏ يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم، وقيل من الجيل، وعن كعب الأحبار أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم عليه السلام من غير حواء وذلك أنه عليه السلام نام فاحتلم فامتزجت نطفته في التراب فخلق منها يأجوج ومأجوج، ونقل النووي في تفاواه القول بأنهم أولاد آدم عليه السلام من غير حواء عن جماهير العلماء‏.‏

وتعقب دعوى الاحتلام بأن الأنبياء عليهم السلام لا يحتلمون، وأجيب بأن المنفي الاحتلام بمن لا تحل لهم فيجوز أن يحتلموا بنسائهم فلعل احتلام آدم عليه السلام من القسم الجائز، ويحتمل أيضاً أن يكون منه عليه السلام إنزال من غير أن يرى نفسه أنه يجامع كما يقع كثيراً لأبنائه، واعترض أيضاً بأنه يلزم على هذا أنهم كانوا قبل الطوفان ولم يهلكوا به، وأجيب بأن عموم الطوفان غير مجمع عليه فلعل القائل بذلك ممن لا يقول بعمومه وأنا أرى هذا القول حديث خرافة، وقال الحافظ ابن حجر‏:‏ لم يرد ذلك عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح عليه السلام ونوح من ذرية حواء قطعاً‏.‏

وكأنه عنى بالحديث غير ما روى عن أبي هريرة مرفوعاً ولد لنوح‏.‏ سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم وولد لحام القبط والبربر والسودان وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة فإنه صرح بأنه ضعيف، وفي التوراة في السفر الأول في الفصل العاشر والتصريح بأن يأجوج من أبناء يافث‏.‏ وزعم بعض اليهود أن مأجوج اسم للأرض التي كان يسكنها يأجوج وليس اسماً لقبيلة وهو باطل بالنص، والظاهر أنهما اسمان أعجميان فمنع صرفهما للعلمية والعجمة؛ وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما لهمزة كما قرأ عاصم‏.‏ والأعمش‏.‏ ويعقوب في رواية وهي لغة بني أسد ووزنهما مفعول، وبناء مفعول من ذلك مع أنه لازم لتعديه بحرف الجر‏.‏

وقيل‏:‏ إن كان ما ذكر منقولاً فللتعدي وإن كان مرتجلاً فظاهر، وقال الأخفش‏:‏ إن جعلنا ألفهما أصلية فيأجوج يفعول ومأجوج مفعول كأنه من أجيج النار، ومن لم يهمزهما جعلها زائدة فيأجوج من يججت ومأجوج من مججت، وقال قطرب‏:‏ في غير الهمز مأجوج فاعول من المج ويأجوج فاعول من اليج، وقال أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي؛ الظاهر أنه عربي وأصله الهمز وتركه على التخفيف‏.‏ وهو إما من الأجة وهو الاختلاف كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 99‏]‏ أو من الأج وهو سرعة العدو قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 96‏]‏ أو من الأجه وهي شدة الحر أو من أج الماء ياج أجوجاً إذا كان ملحقاً مراً انتهى‏.‏ وعلة منع الصرف على القول بعربيتهما العلمية والتأنيث باعتبار القبيلة‏.‏

وقرأ العجاج‏.‏ ورؤية ابنه ‏{‏آجوج‏}‏ بهمزة بدل الياء‏.‏ وربما يقال جوج بلا همزة ولا ياء في غير القررن وجاء بهذا اللفظ في كتاب حزقيال عليه السلام ‏{‏وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الارض‏}‏ أي في أرضنا بالقتل والتخريب وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، وقيل بأخذ الأقوات وأكلها‏.‏ روى أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أؤخضر إلا أكلوه ولا باساً إلا احتلوه، وأخرج ابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن بيب الأوصافي أنه قال‏:‏ كان فسادهم أنهم يأكلون الناس، واستدل بإسناد مفسدون إلى يأجوج ومأجوج على أن أقل الجمع إثنان وليس بشيء أصلاً ‏{‏فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً‏}‏ أي جعلا من أموالن‏.‏ والفاء لتفريع العرض على إفسادهم في الأرض‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ والأعمش‏.‏ وطلحة‏.‏ وخلف‏.‏ وابن سعدان‏.‏ وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏(‏خراجاً‏)‏ بألف بعد الراء وكلاهما بمعنى واحد كالنول والنوال‏.‏ وقيل‏:‏ الخرج المصدر أطلق على الخراج والخراج الاسم لما يخرج‏.‏ وقال ابن الاعرابي‏:‏ الخرج على الرؤس يقال‏:‏ أد خراج أرضك وقال ثعلب‏:‏ الخرج اخص من الخراج‏.‏ وقيل الخرج المال يخرج مرة والخراج الخرج المتكرر وقيل الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك إداؤه ‏{‏على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا‏}‏ حاجزاً يمنعهم من الوصول إلينا‏.‏ وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ وأبو بكر سداً بضم السين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ‏(‏95‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ مَا مَكَّنّى‏}‏ بالإدغام، وقرأ ابن كثير‏.‏ وحميد بالفك أي الذي مكنني ‏{‏فِيهِ رَبّى‏}‏ وجعلني فيه سبحانه مكيناً قادراً من الملك والمال وسائر الأسباب ‏{‏خَيْرٌ‏}‏ أي مما تريدون أن تبذلوه إلى من الخرج فلا حاجة بي إليه ‏{‏فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ‏}‏ أي بما يتقوى به على المقصود من الآلات كزبر الحديد أو من الناس أو الأعم منهما، والفاء لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكن الله تعالى فيه من مالهم أو على عدم قبول خرجهم ‏{‏أَجَعَلَ‏}‏ جواب الأمر ‏{‏بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ‏}‏ تقديم إضافة الظرف إلى ضمير المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج لإظهار كمال العناية بمصالحهم كما راعوه في قولهم ‏{‏بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 94‏]‏ ‏{‏رَدْمًا‏}‏ أي حاجزاً حصيناً وحجاباً متيناً وهو أكبر من السد وأوثق يقال‏:‏ ثوب مردم أي فيه رقاع فوق رقاع، ويقال‏:‏ سحاب مردم أي متكاثف بعضه فوق بعض، وذكر أن أصل معناه سد الثلمة بالحجارة ونحوها، وقيل‏:‏ سد الخلل مطلقاً، ومنه قول عنترة‏:‏

هل غادر الشعراء من متردم *** ثم أطلق على ما ذكر، وقيل‏:‏ هو والسد بمعنى، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ هو كاشد الحجاب وعليه يكون قد وعدهم بالإسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه وهو اللائق بشأن الملوك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏96‏]‏

‏{‏آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ‏(‏96‏)‏‏}‏

‏{‏ءاتُونِى زُبَرَ الحديد‏}‏ جمع زبرة كغرف في غرفة وهي القطعة العظيمة، وأصل الزبر الاجتماع ومنه زبرت الكتاب جمعت حروفه وزبرة الأسد لما اجتمع على كاهله من الشعر، وأخرج الطشتس عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق ساله عن ‏{‏زُبَرَ الحديد‏}‏ فقال‏:‏ قطعة وأنشد قول كعب بن مالك‏:‏

تلظى عليهم حين شد حميها *** بزبر الحديد والحجارة شاجر

وطلب إيتاء الزبر لا ينافي أنه لم يقبل منهم شيئاً لأن المراد من الايتاء المأمور به الايتاء بالثمن أو مجرد لمناولة والايطال وإن كان ما آتوه له لا إعطاء ما هو لهم فهو معونة مطلوبة، وعلى تسليم كون الايتاء بمعنى الإعطاء لا المناولة يقال‏:‏ إن إعطاء الآلة للعمل لا يلزمه تملكها ولو تملكها لا يعد ذلك جعلاً فإنه إعطاء المال لا إعطاء مثل هذا، ويبنىء عن أن المراد ليس الإعطاء قراءة أبي بكر عن عاصم ‏{‏رَدْمًا ائتونى‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 95، 96‏]‏ بكسر التنوين ووصل الهمزة من أتاه بكذا إذ جاء به له وعلى هذه القراءة نصب ‏{‏زُبُراً‏}‏ بنزع الخافض أي جيئوني بزبر الحديد وتخصيص زبر الحديد بالذكر دون الصخور والحطب ونحوهما لما أن الحاجة إليها أمس إذ هي الركن القوي في السد ووجودها أعز‏.‏

وقرأ الحسن ‏{‏زُبُرِ‏}‏ بضم الباء كالزاي ‏{‏حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين‏}‏ في الكلام حذف أي فأتوه إياها فأخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في العلو فبين مفعول ساوى وفاعله ضمير ذي القرنين، وقيل‏:‏ الفاعل ضمير السد المفهوم من الكلام أي فاتوه إياها فأخذ يسد بها حتى إذا ساوى السد الفضاء الذي بين الصدفين ويفهم من ذلك مساواة السد في العلو للجبلين، والصدف كما أشرنا إليه جانب الجبل وأصله على ماقيل‏:‏ الميل، ونقل في «الكشف» أنه لا يقال للمنفرد صدف حتى يصادفه الآخر ثم قال‏:‏ فهو من الأسماء المتضايفة كالزوج وأمثاله، وقال أبو عبيدة‏:‏ هو كل بناء عظيم مرتفع ولا يخفى أنه ليس بالمراد هنا‏.‏

وزعم بعضهم أن المراد به هنا الجبل وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقرأ قتادة سوى من التسوية‏.‏

وقرأ ابن أبي أمية عن أبي بكر عن عاصم ‏{‏سووى‏}‏ بالبناء للمجهول، وقرأ ابن كثير‏.‏ وأبو عمرو‏.‏ وابن عامر‏.‏ والزهري‏.‏ ومجاهد‏.‏ والحسن ‏{‏بَيْنَ الصدفين‏}‏ بضم الصاد والدار وهي لغة حمير كما أن فتحهما في قراءة الأكثرين لغة تميم، وقرأ أبو بكر‏.‏ وابن محيصن‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ وأبو عبد الرحمن ‏{‏الصدفين‏}‏ بضم فسكون‏.‏

وقرأ ابن جندب بفتح فسكون، وروي ذلك عن قتادة، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ بضم ففتح وهي قراءة أبان عن عاصم، وقرأ الماجشون بفتح فضم‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ للعملة ‏{‏انفخوا‏}‏ أي بالكيران في زبر الحديد الموضوعة بين الصدفين ففعلوا ‏{‏حتى إِذَا جَعَلَهُ‏}‏ أي جعل المنفوخ فيه ‏{‏نَارًا‏}‏ أي كالنار في الحرارة والهيئة فهو من التشبيه البليغ، وإسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعل الفعلة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلة ‏{‏قَالَ‏}‏ الذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها، وقيل لأولئك النافخين قال لهم بعد أن نفخوا في ذلك حتى صار كالنار وتم ما أراده منهم أولاً ‏{‏ءَاتُوني‏}‏ من الذين يتولون أمر النحاس ‏{‏اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً‏}‏ أي آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني في باب التنازع أولى إذ لو كان ‏{‏قِطْراً‏}‏ مفعول ‏{‏ءاتُونِى‏}‏ لأضمر مفعول ‏{‏أَفْرِغْ‏}‏ وحذفه وإن جاز لكونه فضلة إلا أنه يوقع في لبس‏.‏

والقطر كما أشرنا إليه النحاس المذاب وهو قول الأكثرين، وقيل‏:‏ الرصاص المذاب، وقيل‏:‏ الحديد المذاب وليس بذاك، وقرأ الأعمش‏.‏ وطلحة‏.‏ وحمزة‏.‏ وأبو بكر بخلاف عنه ‏{‏ائتونى‏}‏ بهمزة الوصل أي جيئوني كأنه يستدعيهم للإغاثة باليد عند الإفراغ، وإسناد الإفراغ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفاً، وكذا الكلام في قوله ‏{‏اجعل‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏سَاوِى‏}‏ على أحد القولين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏97‏]‏

‏{‏فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏فَمَا اسطاعوا‏}‏ بحذف تاء الافتعال تخفيفاً وحذراً عن تلاقي المتقاربين في المخرج وهما الطاء والتاء‏.‏

وقرأ حمزة‏.‏ وطلحة بإدغام التاء في الطاء وفيه جمع بين الساكنين على غير حدة ولم يجوزه أبو علي وجوزه جماعة، وقرأ الأعشى عن أبي بكر ‏{‏فَمَا‏}‏ بقلب السين صاداً لمجاورة الطاء، وقرأ الأعمش ‏{‏مكانتهم فَمَا استطاعوا‏}‏ بالتاء من غير حذف والفاء فصيحة أي ففعلوا ما أمروا به من إيتاء القطر أو الإتيان فأفرغ عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض فصار جبلاً صلداً فجاء يأجوج ومأجوج وقصدوا أن يعلوه وينقبوه فما اسطاعوا ‏{‏أَن يَظْهَرُوهُ‏}‏ أي يعلوه ويرقوا فيه لارتفاعه وملاسته، قيل‏:‏ كان ارتفاعه مائتي ذراع، وقيل‏:‏ ألف وثمانمائة ذراع ‏{‏وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا‏}‏ لصلابته وثخانته‏.‏ قبل‏:‏ وكان عرضه خمسين ذراعاً وكان أساسه قد بلغ الماء وقد جعل فيه الصخر والنحاس المذاب وكانت زبر الحديد للبناء فوق الأرض، ولا يخفى أن إفراغ القطر عليها بعد أن أثرت فيها حرارة النار حتى صارت كالنار مع ما ذكروا من أن امتداد السد في الأرض مائة فرسخ لا يتم إلا بأمر إلهي خارج عن العادة كصرف تأثير حرارة النار العظيمة عن أبدان المباشرين للأعمال وإلا فمثل تلك الحرارة عادة مما لا يقدر حيوان على أن يحوم حولها ومثل ذلك النفخ في هاتيك الزبر العظيمة الكثيرة حتى تكون ناراً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين بواسطة آلات غريبة أو أعمال أوتيها هو أو أحد ممن معه لا يكاد أحد يعرفها اليوم، وللحكماء المتقدمين بل والمتأخرين أعمال عجيبة يتوصلون إليها بآلات غريبة تكاد تخرج عن طور العقل وهذا مما لا شبهة فيه فليكن ما وقع لذي القرنين من ذلك القبيل، وقيل‏:‏ كان بناؤه من الصخور مرتبطاً بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها بحيث لم يبق هناك فجوة أصلاً‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن مردويه عن أبي بكرة الشفي أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال‏:‏ انعته لي قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال‏:‏ قد رأيته، والظاهر أن الرؤية بصرية لا منامية وهو أمر غريب إن صح الخبر، وأما ما ذكره بعضهم من أن الواثق بالله العباسي أرسل سلاماً الترجمان للكشف عن هذا السد فذهب جهة الشمال في قصة تطول حتى رآه ثم عاد، وذكر له من أمره ما ذكر فثقات المؤرخين على تضعيفه، وعندي أنه كذب لما فيه مما تأبى عنه الآية كما لا يخفى على الواقف عليه تفصيلاً‏.‏

ولا يخفى لطف الإتيان بالتاء في استطاعوا هنا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏98‏]‏

‏{‏قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ‏(‏98‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ أي ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم ‏{‏هذا‏}‏ إشارة إلى السد، وقيل‏:‏ إلى تمكنه من بنائه والفضل للمتقدم ليتحد مرجع الضمير المتأخر أي هذا الذي ظهر على يدي وحصل بمباشرتي من السد الذي شأنه ما ذكر من المتانة وصعوبة المنال ‏{‏رَحْمَةً‏}‏ أي أثر رحمة عظيمة وعبر عنه بها للمبالغة ‏{‏مّن رَّبّى‏}‏ على كافة العباد لا سيما على مجاوريه وكون السد رحمة على العباد ظاهر وإذا جعلت الإشارة إلى التمكن فكونه رحمة عليهم باعتبار أنه سبب لذلك، وربما يرجح المتقدم أيضاً باحتياج المتأخر إلى هذا التأويل وإن كان الأمر فيه سهلاً، وفي الإخبار عنه بما ذكر إيذان على ما قيل بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو إحسان إلهي محض وإن ظهر بالمباشرة، وفي التعرض لوصف الربوبية تربية معنى الرحمة، وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏هذه رَحْمَةً‏}‏ بتأنيث اسم الإشارة وخرج على أنه رعاية للخبر أو جعل المشار إليه القدرة والقوة على ذلك ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى‏}‏ أي وقت وعده تعالى فالكلام على حذف مضاف والإسناد إلى الوعد مجاز وهو لوقته حقيقة، ويجوز أن يكون الوعد بمعنى الموعود وهو وقته أو وقوعه فلا حذف ولا مجاز في الإسناد بل هناك مجاز في الطرف، والمراد من وقت ذلك يوم القيامة، وقيل‏:‏ وقت خروج يأجوج ومأجوج، وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجىء مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونحو ذلك لا دنو وقوعه فقط كما قال الزمخشري وغيره فإن بعض الأمور التي ستحكي تقع بعد مجيئه حتماً ‏{‏جَعَلَهُ‏}‏ أي السد المشار إليه مع متانته ورصانته ‏{‏دَكَّاء‏}‏ بألف التأنيث الممدودة والموصوف مؤنث مقدر أي أرضاً مستوية، وقال بعضهم‏:‏ الكلام على تقدير مضاف أي مثل دكاء وهي ناقة لا سنام لها ولا بد من التقدير لأن السد مذكر لا يوصف بمؤنث، وقرأ غير الكوفيين دكاً على أنه مصدر دككته وهو بمعنى المفعول أي مدكوكاً مسوى بالأرض أو على ظاهره والوصف به للمبالغة، والنصب على أنه مفعول ثان لجعل وهي بمعنى صير، وزعم ابن عطية أنها بمعنى خلق وليس بشيء‏.‏

وهذا الجعل وقت مجىء الوعد بمجىء بعض مباديه وفيه بيان لعظم قدرته تعالى شأنه بعد بيان سعة رحمته عز وجل وكان علمه بهذا الجعل على ما قيل من توابع علمه بمجىء الساعة إذ من مباديها دك الجبال الشامخة الراسخة ضرورة أنه لا يتم بدونها واستفادته العلم بمجيئها ممن كان في عصره من الأنبياء عليهم السلام، ويجوز أن يكون العلم بجميع ذلك بالسماع من النبي وكذا العلم بمجىء وقت خروجهم على تقدير أن يكون ذلك مراداً من الوعد يجوز أن يكون عن اجتهاد ويجوز أن يكون عن سماع‏.‏

وفي كتاب حزقيال عليه السلام الإخبار بمجيئهم في آخر الزمان من آخر الجربياء في أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله تعالى وإفسادهم في الأرض وقصدهم بيت المقدس وهلاكهم عن آخرهم في بريته بأنواع من العذاب وهو عليه السلام قبل اسكندر غالب دارا فإذا كان هو ذا القرنين فيمكن أن يكون وقف على ذلك فأفاده علماً بما ذكر والله تعالى أعلم، ثم أن في الكلام حذفاً أي وهو يستمر إلى آخر الزمان فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ‏{‏وَكَانَ وَعْدُ رَبّى‏}‏ أي وعده سبحانه المعهود أو كل ما وعد عز وجل به فيدخل فيه ذلك دخولاً أولياً ‏{‏حَقّاً‏}‏ ثابتاً لا محالة واقعاً البتة وهذه الجملة تذييل من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطية وتأكيد لمضمونها وهو آخر ما حكى عن قصته، وقوله عز وجل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏99‏]‏

‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ‏(‏99‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ‏}‏ كلام مسوق من جنابه سبحانه وتعالى وضمير الجمع المجرور عند بعض المحققين للخلائق، والترك بمعنى الجعل وهو من الأضداد، والعطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جَعَلَهُ دَكّاءَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 98‏]‏ وفيه تحقيق لمضمونه، ولا يضر في ذلك كونه محكياً عن ذي القرنين أي جعلنا بعض الخلائق ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ أي يوم إذ جاء الوعد بمجىء بعض مباديه ‏{‏يَمُوجُ فِى بَعْضٍ‏}‏ آخر منهم، والموج مجاز عن الاضطراب أي يضطربون اضطراب البحر يختلط إنسهم وجنهم من شدة الهول وروي هذا عن ابن عباس، ولعل ذلك لعظائم تقع قبل النفخة الأولى، وقيل‏:‏ الضمير للناس والمراد وجعلنا بعض الناس يوم إذ جاء الوعد بخروج يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر لفزعهم منهم وفرارهم وفيه بعد؛ وقيل‏:‏ الضمير للناس أيضاً، والمراد وجعلنا بعض الناس يوم إذ تم السد يموج في بعضهم للنظر إليه والتعجيب منه ولا يخفى أن هذا يتعجب منه‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ الأظهر كون الضمير ليأجوج ومأجوج أي وتركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم حين يخرجون من السد مزدحمين في البلاد وذلك بعد نزول عيسى عليه السلام، ففي «صحيح مسلم» من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وهلاكه بباب لد على يده عليه السلام ثم يأتي عيسى عليه السلام قوماً قد عصمهم الله تعالى من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينماهم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم ويضمون إليهم مواشيهم فيشربون مياه الأرض حتى أن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبساً حتى أن من يمر من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول قد كان ههنا ماء مرة ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور ورأس الحمار لأحدهم خيراً من مائة دينار؛ وفي رواية مسلم وغيره فيقولون‏:‏ لقد قتلنا من في الأرض هلم نقتل من في السماء فيرمون نشابهم إلى السماء فيردها الله تعالى عليهم مخضوبة دماً للبلاء والفتنة فيرغب نبي الله وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى، وفي رواية داود كالنغف في أعناقهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة لا يسمع لهم حس فيقول المسلمون‏:‏ ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو فيتجرد رجل منهم محتسباً نفسه قد وطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم فيخرجون من مداينهم وحصونهم فيسرحون مواشيهم فما يكون لها مرعى إلا لحومهم فتشكر أحسن ما شكرت عن شيء ويهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون فيها موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيستغيثون بالله تعالى فيبعث الله سبحانه ريحاً يمانية غبراء فتصير على الناس غماً ودخاناً ويقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاثة أيام وقد قذفت الأرض جيفهم في البحر، وفي رواية فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، وفي رواية فترميهم في البحر وفي أخرى في النار ولا منافاة كما يظهر بأدنى تأمل ثم يرسل الله عز وجل مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ثم يقال للأرض‏:‏ أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين، ولعل الله تعالى يحفظ ذلك في الأودية ومواضع السيول زيادة في سرور المسلمين أو يحفظها حيث هلكوا ولا يلقيها معهم حيث شاء ولا يعجز الله تعالى شيء، والحديث يدل على كثرتهم جداً، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعاً أن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم من صلبه ألفاً من الذرية‏.‏

وحمله بعضهم على طول العمر‏.‏

وفي «البحر» أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم ولم يصح في ذلك شيء‏.‏ وأعجب ما روي في ذلك قول مكحول الأرض مسيرة مائة عام ثمانون منها يأجوج ومأجوج وهي أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه أمة الأخرى وهو قول باطل، ومثله ما روي عن أبي الشيخ عن أبي أمامة الدنيا سبعة أقاليم فليأجوج ومأجوح ستة وللباقي إقليم واحد وهو كلام من لا يعرف الأرض ولا الأقاليم‏:‏ نعم أخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والحاكم وصححه من طريق البكالي عن ابن عمر أن الله تعالى جزأ الإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس إلا أني لم أقف على تصحيحه لغير الحاكم وحكم تصحيحه مشهور ويعلم مما تقدم ومما سيأتي إن شاء الله تعالى بطلان ما يزعمه بعض الناس من أنهم التاتار الذين أكثروا الفساد في البلاد وقتلوا الأخبار والأشرار‏.‏ ولعمري أن ذلك الزعم من الضلالة بمكان وإن كان بين يأجوج ومأجوج وأولئك الكفرة مشابهة تامة لا تخفى على الواقفين على أخبار ما يكون وما كان إبطال ما يزعمه بعض الناس من أنهم التاتار ‏{‏وَنُفِخَ فِى الصور‏}‏ الظاهر أن المراد النفخة الثانية لأنه المناسب لما بعد‏.‏

ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية عامة ليس فيها حالة مختصة بالكفار، وقيل‏:‏ لئلا يقع الفصل بين ما يقع في النشأة الأولى من الأحوال والأهوال وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة‏.‏

والصور قرن جاء في الآثار من وصفه ما يدهش العقول‏.‏ وقد صح عن أبي سعيد الخدري أنه قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنا جبينه وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ»‏.‏ وزعم أبو عبيدة أنه جمع صورة وأيد بقراءة الحسن ‏{‏الصور‏}‏ بفتح الواو فيكون لسورة وسور ورد ذلك أظهر من أن يخفى، ولذلك قال أبو الهيثم على ما نقل عنه الإمام القرطبي‏:‏ من أنكر أن يكون الصور قرناً فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات‏.‏ وذكر أن الأمم مجمعة على أن النافخ فيه إسرافيل عليه السلام ‏{‏فجمعناهم‏}‏ أي الحلائق بعد ما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء ‏{‏جَمْعاً‏}‏ أي جمعاً عجيباً لا يكتنه كنهه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏100‏]‏

‏{‏وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ‏(‏100‏)‏‏}‏

‏{‏وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ‏}‏ اظهرناها وأبرزناها ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ أي يوم إذ جمعنا الخلائق كافة ‏{‏للكافرين‏}‏ منهم حيث جعلناها بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظاً وزفيراً ‏{‏عَرْضاً‏}‏ أي عرضاً فظيعاً هائلاً لا يقادر قدره‏.‏ وتخصيص العرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمع قاطبة لأن ذلك لأجلهم خاصة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ‏}‏ وهم في الدنيا ‏{‏فِى غِطَاء‏}‏ كثيف وغشاوة غليظة محاطة بذلك من جميع الجوانب ‏{‏عَن ذِكْرِى‏}‏ عن الآيات المؤدية لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكرى بالتوحيد والتمجيد‏.‏ فالذكر مجاز عن الآيات المذكورة من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب‏.‏ وفيه أن من لم ينظر نظراً يؤدي به إلى ذكر التعظيم كأنه لا نظر له البتة وهذا فائدة التجوز‏.‏

وقيل‏:‏ الكلام على حذف مضاف أي عن آيات ذكري وليس بذاك، ويجوز أن يكون المراد بالأعين البصائر القلبية‏.‏ والمعنى كانت بصائرهم في غطاء عن أن يذكروني على وجه يليق بشأني أو عن ذكري الذي أنزلته على الأنبياء عليهم السلام، ويجوز أن يخص بالقرآن الكريم ‏{‏وَكَانُواْ‏}‏ مع ذلك ‏{‏لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً‏}‏ نفى لسماعهم على أتم وجه ولذا عدل عن وكانوا صماً الا خصر إليه‏.‏ والمراد أنهم مع ذلك كفاقدي حاسة السمع بالكلية وهو مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالإبصار فلا حاجة إلى تقدير لذكري المراد منه القرآن أو مطلق الشرائع الإلهية فإنه بعد تخصيص الذكر المذكور في النظم الكريم أولاً بالآيات المشاهدة لا يصير قرينة على هذا الحذف‏.‏ قال ابن هشام في «المغني»‏:‏ إن الدليل اللفظي لا بد من مطابقته للمحذوف معنى فلا يصح زيد ضارب وعمرو أي ضارب على أن الأول بمعناه المعروف والثاني بمعنى مسافر‏.‏ وتقدير ذلك وإرادة معنى الآيات منه مجازاً بعد المجاز أظهر، وقال بعض المحققين‏:‏ إن تقدير ذلك إنما هو بقرينة قوله تعالى سمعاً وأن الكافرين هذا حالهم لا بقرينة ذكر الذكر قبل ليجىء كلام ابن هشام، ولا يخفى أنه لا كلام في تقدير الذكر بمعنى القرآن أو الشرائع الإلهية إذا أريد من الذكر المذكور ذلك‏.‏ والموصول نعت الكافرين أو بدل منه أو بيان جىء به لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ أي كفروا بي كما يعرب عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عِبَادِى‏}‏ والحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ عبد الله ‏{‏أفظن‏}‏ والهمزة للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه‏.‏ والفاء للعطف على مقدر يفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ وإلى المعطوفين جميعاً على ما اختاره شيخ الإسلام‏.‏ والمعنى أكفروا بي مع جلالة شأني فحسبوا ‏{‏كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى‏}‏ من الملائكة وعيسى ونحوهم عليهم السلام من المقربين كما تشعر به الإضافة إن الأكثر أن تكون في مثل هذا اللفظ لتشريف المضاف‏.‏ واقتصر قتادة في المراد من ذلك على الملائكة؛ والظاهر إرادة ما يعمهم وغيرهم ممن ذكرنا واختاره أبو حيان وغيره، وروي عن ابن عباس أن المراد منه الشياطين وفيه بعد ولعل الرواية لا تصح‏.‏ وعن مقاتل أن المراد الأصنام وهو كما ترى، وجوز بعض المحققين أن يراد ما يعم المذكورين والأصنام وسائر المعبودات الباطلة من الكواكب وغيرها تغليباً‏.‏ ولعل المقام يقتضي أن لا تكون الإضافة فيه للتشريف أي أفظنوا أن يتخذوا عبادي الذي هم تحت ملكي وسلطاني ‏{‏مِن دُونِى‏}‏ أي مجاوزين لي ‏{‏أَوْلِيَاء‏}‏ أي معبودين أو أنصاراً لهم من بأسي‏.‏ وما في حيز صلة أن قيل ساد مسد مفعولي حسب أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياء‏.‏ وكان مصب الإنكار أنهم يتخذونهم كذلك إلا أنه أقحم الحسبان للمبالغة، وقيل‏:‏ المراد ما ذكر على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لما أنه إنما يكون من الجانبين والمتخذون بمعزل عن ولايتهم لقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم، وقيل‏:‏ أن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أول لحسب والمفعول الثاني محذوف أي أفحسبوا اتخاذهم نافعهم أو سبباً لرفع العذاب عنهم أو نحو ذلك‏.‏ وهو مبني على تجويز حذف أحد المفعولين في باب علم وهو مذهب بعض النحاة، وتعقب بأن فيه تسليماً لنفس الاتخاذ واعتداداً به في الجملة والأولى ما خلا عن ذلك‏.‏

هذا وفي «الكشف» أن التحقيق أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فحسب‏}‏ معطوف على ‏{‏كانت وكانوا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 101‏]‏ دلالة على أن الحسبان ناشىء عن التعامي والتصام وأدخل عليه همزة الإنكار ذماً على ذم وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكد للذم كأنه قيل لا يزيلون ما بهم من مرضى الغشاوة والصمم ويزيدون عليهما الحسبان المترتب عليهما‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ من وضع الظاهر مقام المضمر زيادة للذم انتهى‏.‏ وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل ما ذكر إلى قوله كأنه قيل الخ أنه يأبى ذلك ترك الإضمار والتعرض لوصف آخر غير التعامي والتصام على أنهما أخرجا مخرج الأحوال الجبلية لهم ولم يذكرا من حيث أنهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحسبانهم ليحسن تفريعه عليهما‏.‏

وأيضاً فإنه دين قديم لهم لا يمكن جعله ناشئاً عن تصامهم عن كلام الله عز وجل‏.‏ وتخصيص الإنكار بحسبانهم المتأخر عن ذلك تعسف لا يخفى انتهى، ولا يخلو عن بحث فتأمل‏.‏

وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وزيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم‏.‏ والشافعي عليه الرحمة‏.‏ ويحيى بن يعمر‏.‏ ومجاهد‏.‏ وعكرمة‏.‏ وقتادة‏.‏ ونعيم بن ميسرة‏.‏ والضحاك‏.‏ وابن أبي ليلى‏.‏ وابن محيصن‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ ومسعود بن صالح‏.‏ وابن كثير‏.‏ ويعقوب بخلاف عنهما ‏{‏أَفَحَسِبَ‏}‏ بإسكان السين وضم الباء مضافاً إلى الذين وخرج ذلك على أن حسب مبتدأ وهو بمعنى محسب أي كافي ‏{‏وَأَنْ يَتَّخِذُواْ‏}‏ خبره أي أفكافيهم اتخاذهم عبادي من دوني أولياء‏.‏ وفيه دلالة على غاية الذم لأنه جعل ذلك مجموع عدتهم يوم الحساب وما يكتفون به عن سائر العقائد والفضائل التي لا بد منها للفائز في ذلك اليوم‏.‏ وجعل الزمخشري المصدر المتحصل من أن والفعل فاعلاً لحسب لأنه اعتمد على الهمزة واسم الفاعل إذا اعتمد ساوى الفعل في العمل، واعترض عليه أبو حيان بأن حسب مؤول باسم الفاعل وما ذكر مخصوص بالوصف الصريح‏.‏ ثم أشار إلى جوابه بأن سيبويه أجاز في مررت برجل خير منه أبوه وبرجل سواء عليه الخير والشر وبرجل أب له صاحبه وبرجل إنما رجل هو وبرجل حسبك من رجل الرفع بالصفات المؤولة، وذكر أنهم أجازوا في مررت برجل أبي عشرة أبوه ارتفاع أبوه بأبي عشرة لأنه في معنى والد عشرة وحينئذٍ فلا كلام فيما ذكر الزمخشري ‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ‏}‏ أي هيأناها وهو ظاهر في أنها مخلوقة اليوم ‏{‏للكافرين‏}‏ المعهودين عدل عن ازضمار ذماً لهم وإشعاراً بأن ذلك الاعتداد بسبب كفرهم المتضمن لحسبانهم الباطل ‏{‏نُزُلاً‏}‏ أي شيئاً يتمتعون به عند ورودهم وهو ما يقام به للنزيل أي الضيف مما حضر من الطعام واختار هذا جماعة من المفسرين‏.‏ وفي ذلك على ما قيل تخطئة لهم في حسبانهم وتهكم به حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء من قبيل اعتاد العتاد وإعداد الزاد ليوم المعاد فكأنه قيل أنا أعتدنا لهم مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذخر جهنم عدة، وفي إيراد النزل إيماءً إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هي أنموذج له، ولا يأبى ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 106‏]‏ لأن المراد هناك أنها جزاؤهم بما فيها فافهم، وقال الزجاج‏:‏ النزل موضع النزول، وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل‏:‏ هو جمع نازل ونصبه على الحال‏.‏

وقرأ أبو حيوة‏.‏ وأبو عمرو بخلاف عنه ‏{‏نُزُلاً‏}‏ بسكون الزاي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏103‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ‏(‏103‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏هَلْ نُنَبّئُكُم‏}‏ خطاب للكفرة‏.‏ وإذا حمل الاستفهام على الاستئذان كان فيه من التهكم ما فيه، والجمع في صيغة المتكلم قيل لتعيينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية النبأ للمؤمنين أيضاً ‏{‏بالاخسرين أعمالا‏}‏ نصب على التمييز، وجمع مع أن الأصل في التمييز الإفراد والمصدر شامل للقليل والكثير كما ذكر ذلك النحاة للإيذان بتنوع أعمالهم وقصد شمول الخسران لجميعها، وقيل‏:‏ جمع لأن ما ذكره النحاة إنما هو إذا كان المصدر باقياً على مصدريته أما إذا كان مؤولاً باسم فاعل فإنه يعامل معاملته وهنا عمل بمعنى عامل فجمع على أعمال والمراد عاملين والصفة تقع تمييزاً نحو لله تعالى دره فارساً، وزعم بعضهم أن أعمالاً جمع عامل، وتعقب بأن جمع فاعل على أفعال نادر وقد أنكره بعض النحاة في غير ألفاظ مخصوصة كأشهاد جمع شاهد، وقيل‏:‏ جمع عمل ككتف بمعنى ذو عمل كما في «القاموس» وهو كما ترى، وزعم بعض المتأخرين أنه إذا اعتبر أعمالاً بمعنى عاملين كان الأخسرين بمعنى الخاسرين لأن التمييز إذا كان صفة كان عبارة عن المنتصب عنه متحداً معه بالذات محمولاً عليه بالمواطأة حتى أن النحاة صرحوا بأنه تجعل الحال أيضاً وهو خبر عن ذي الحال معنى ومن البين أن أفعل التفضيل يمتنع أن يتحد مع اسم الفاعل لمكان الزيادة فحيث وقع اسم الفاعل تمييزاً وانتصب بأفعل وجب أن يكون بمعنى فاعل ليتحدا، وتعقبه بعضهم بأن أفعل لا يكون مع اللام مجرداً عن معنى التفضيل كما أنه لا يكون مجرداً عنه مع الإضافة وإنما يكون ذلك إذا كان مع من كما صرح به ابن مالك في التسهيل وذكره الرضي، ولا يخفى عليك ما في جميع ذلك من النظر، والحق أن الجمعية ليست إلا لما ذكر أولاً، نعم ذكر أبو البقاء أنه جمع لكونه منصوباً على أسماء الفاعلين وأول ذلك بأنه أراد باسم الفاعل المعنى اللغوي وأراد أنه جمع ليفيد التوزيع على أنه لا يخلو عن شيء، ثم أن هذا على ما في إرشاد العقل السليم بيان لحال الكفرة باعتبار ما صدر عنهم من الأعمال الحسنة في أنفسها وفي حسبانهم أيضاً حيث كانوا معجبين بها واثقين بنيل ثوابها ومشاهدة آثارها غب بيان أحوالهم باعتبار أعمالهم السيئة في أنفسها مع كونها حسنة في حسبانهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ‏(‏104‏)‏‏}‏

‏{‏الَّذِينَ ضَلَّ‏}‏ أي ضاع وبطل بالكلية عند الله عز وجل ‏{‏سَعْيُهُمْ‏}‏ في إقامة تلك الأعمال ‏{‏وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم‏}‏ متعلق بسعي لا بضل لأن بطلان سعيهم غير مختص بالدنيا‏.‏

قيل‏:‏ المراد بهم أهل الكتابين وروي ذلك عن ابن عباس‏.‏ وسعد بن أبي وقاص‏.‏ ومجاهد ويدخل في الأعمال حينئذٍ ما عملوه من الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات، وقيل‏:‏ الرهبان الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على الرياضات الشاقة، وقيل الصابئة، وسأل ابن الكواء علياً كرم الله تعالى وجهه عنهم فقال‏:‏ منهم أهل حروراء يعني الخوارج، واستشكل بأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 105‏]‏ الخ يأباه لأنهم لا ينكرون البعث وهم غير كفرة، وأجيب بأن من اتصالية فلا يلزم أن يكونوا متصلين بهم من كل الوجوه بل يكفي كونهم على الضلال مع أنه يجوز أن يكون كرم الله تعالى وجهه معتقداً لكفرهم، واستحسن أنه تعريض بهم على سبيل التغليظ لا تفسير للآية، والمذكور في «مجمع البيان» أن العياشي روى بسنده أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه عن أهل هذه الآية فقال‏:‏ أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم وابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم وما أهل النهر منهم ببعيد، وهذا يؤيد الجواب الأول، وأخبر أن المراد ما يعم سائر الكفرة، ومحل الموصول الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف لأنه جواب للسؤال كأنه قيل من هم‏؟‏ فقيل الذين الخ، وجوز أن يكون في محل جر عطف بيان على ‏{‏الاخسرين‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 103‏]‏، وجوز أن يكون نعتاً أو بدلاً وأن يكون منصوباً على الذم على أن الجواب ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أولئك الذين‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 105‏]‏ الخ‏.‏

وتعقب بأنه يأبى ذلك أن صدره ليس منبئاً عن خسران الأعمال وضلال السعي كما يستدعيه مقام الجواب والتفريع الأول وإن دل على هبوطها لكنه ساكت عن إنباء بما هو العمدة في تحقيق معنى الخسران من الوثوق بترتب الربح واعتقاد النفع فيما صنعوا على أن التفريغ الثاني مما يقطع ذلك الاحتمال رأساً إذ لا مجال لإدراجه تحت الأمر بقضية نون العظمة والجواب عن ذلك لا يتم إلا بتكلف فتأمل ‏{‏وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا‏}‏ الإحسان الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي أي يعتقدون أنهم يعملون ذلك على الوجه اللائق لإعجابهم بأعمالهم التي سعوا في إقامتها وكابدوا في تحصيلها، والجملة حال من فاعل ‏{‏ضَلَّ‏}‏ أي ضل سعيهم المذكور والحال أنهم يحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره أو من المضاف إليه في ‏{‏سَعْيُهُمْ‏}‏ لكونه في محل الرفع أي بطل سعيهم والحال أنهم الخ، والفرق بين الوجهين أن المقارن لحال حسبانهم المذكور في الأول ضلال سعيهم، وفي الثاني نفس سعيهم قيل، والأول أدخل في بيان خطئهم، ولا يخفى ما بين يحسبون ويحسنون من تجنيس التصحيف ومثل ذلك قول البحتري‏:‏

ولم يكن المغتر بالله إذ سرى *** ليعجز والمعتز بالله طالبه

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏(‏105‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك‏}‏ كلام مستأنف من جنابه تعالى مسوق لتكميل تعريف الأخسرين وتبيين خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم بحيث ينطبق التعريف على المخاطبين غير داخل تحت الأمر كما قيل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي والحسبان المذكور ‏{‏الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ‏}‏ بدلائله سبحانه الداعية إلى التوحيد الشاملة للسمعية والعقلية، وقيل‏:‏ بالقرآن والأول أولى، والتعرض لعنوان الربوبية لزيادة تقبيح حالهم في الكفر المذكور ‏{‏وَلِقَائِهِ‏}‏ هو حقيقة في مقابلة الشيء ومصادفته وليس بمراد، والأكثرون على أنه كناية عن البعث والحشر وما يتبع ذلك من أمور الآخرة أي لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه، وقيل‏:‏ الكلام على حذف مضاف أي لقاء عذابه تعالى وليس بذلك ‏{‏فَحَبِطَتْ‏}‏ بكسر الباء، وقرأ ابن عباس‏.‏ وأبو السمال بفتحها، والفاء للتفريغ أي فحبطت لذلك ‏{‏أعمالهم‏}‏ المعهودة حبوطاً كلياً ‏{‏فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ‏}‏ أي لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمال ‏{‏يَوْمَ القيامة وَزْناً‏}‏ أي فنزدري بهم ونحتقرهم ولا نجعل لهم مقداراً واعتباراً لأن مدار الاعتبار والاعتناء الأعمال الصالحة وقد حبطت بالمرة وحيث كان هذا الازدراء والاحتقار من عواقب حبوط الأعمال عطف عليه بطريق التفريع وأما ما هو من أجزية الكفر فسيجىء إن شاء الله تعالى بعد ذلك، وزعم بعضهم أن حقه على هذا أن يعطف بالواو عطف أحد المتفرعين على الآخر لأن منشأ ازدرائهم الكفر لا الحبوط وبه اعترض على ذلك وهو ناشىء من فرط الذهول كما لا يخفى أو لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزاناً لأنها قد حبطت وصارت هباءً منثوراً‏.‏ ونفى هذا بعد الإخبار بحبوطها من قبيل التأكيد بخلاف النفي على المعنى الأول ولذلك رجح عليه وليس من الاعتزال في شيء، وقرأ مجاهد‏.‏ وعبيد بن عمير ‏{‏فَلا‏}‏ بالياء لتقدم قوله تعالى ‏{‏كَذَّبُواْ بآيات رَبّهِمْ‏}‏ وعن عبيد أيضاً ‏{‏فَلا‏}‏ بفتح ياء المضارعة كأنه جعل قام متعدياً، وعن مجاهد‏.‏ وابن محيصن ويعقوب بخلاف عنهم ‏{‏فَلا ياقوم لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً‏}‏ على أن يقوم مضارع قام اللام و‏{‏وزن‏}‏ فاعله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏يَفْعَلْ ذلك‏}‏ بيان لمآل كفرهم وسائر معاصيهم اثر بيان أعمالهم المحبطة بذلك وهو خبر مبتدأ مذحوف أي الأمر والشأن ذلك‏.‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ جملة مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وجوز أن يكون ‏{‏ذلك‏}‏ مبتدأ و‏{‏جَزَآؤُهُمْ‏}‏ بدل منه بدل اشتمال أو بدل كل من كل إن كانت الإشارة إلى الجزاء الذي في الذهن و‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ خبره‏.‏ والتذكير وإن كان الخبر مؤنثاً لأن المسار إليه الجزاء ولأن الخبر في الحقيقة للبدل‏.‏ وأن يكون ‏{‏ذلك‏}‏ مبتدأ و‏{‏جَزَآؤُهُمْ‏}‏ خبره و‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ عطف بيان للخبر والإرشارة إلى جهنم الحاضرة في الذهن، وأن يكون مبتدأ و‏{‏جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ مبتدأ وخبر خبره له والعائد محذوف والإشارة إلى كفرهم وأعمالهم والتذكير باعتبار ما ذكر أي ذلك جزاؤهم به جهنم، وتعقب بأن العائد المجرور إنكا يكثر حذفه في مثل ذلك إذا جر بحرف بتبعيض أو ظرفية أو جر عائد قبله بمثل ما جر به كقوله‏:‏

فالذي تدعي به أنت مفلح *** أي به‏.‏ وجوز أبو البقاء أن يكون «ذلك» مبتدأ و‏{‏جَزَآؤُهُمْ‏}‏ بدل أو عطف بيان و‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ بدل من جزاء أو خبر مبتدأ و‏{‏جَزَآؤُهُمْ‏}‏ بدل أو عطف بيان و‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ بدل من جزاء أو خبر مبتدأ محذوف أي هو جهنم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِمَا كَفَرُواْ‏}‏ خبر ‏{‏ذلك‏}‏ وقال بعد أن ذكر من جوه الإعراب ما ذكر‏:‏ إنه لا يجوز أن يتعلق الجار بجزاؤهم للفصل بينهما بجهنم، وقيل‏:‏ الظاهر تعلقه به ولا يضر الفصل في مثل ذلك‏.‏ وهو تصريح بأن ما ذكر جزاء لكفرهم المتضمن لسائر القبائح التي أنبأ عنها قوله تعالى المعطوف على كفروا ‏{‏واتخذوا ءاياتى وَرُسُلِى هُزُواً‏}‏ أي مهزوأ بهما فإنهم لم يقنعوا بمجرد الكفر بالآيات والرسل عليهم السلام بل ارتكبوا مثل تلك العظيمة أيضاً‏.‏

وجوز أن تكون الجملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر، والمراد من الآيات قيل المعجزات الظاهرة على أيدي الرسل عليهم السلام والصحف الإلهية المنزلة عليهم عليهم الصلاة والسلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ‏}‏ بيان بطريق الوعد لمآل الذين اتصفوا باضداد ما اتصف به الكفرة اثر بيان ما لهم بطريق الوعيد أي إن الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه سبحانه‏:‏ ‏{‏وَعَمِلُواْ‏}‏ من الأعمال ‏{‏المتقون كَانَتْ لَهُمْ‏}‏ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده فالمضي باعتبار ما ذكر‏.‏ وفيه على ما قال شيخ الإسلام إيماء إلى أن أثر الرحمة يصل إليهم بمقتضى الرأفة الأزلية بخلاف ما مر من جعل جهنم للكافرين نزلا فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون ما وعدوا به لتحققه نزل منزلة الماضي فجيء بكان اشارة إلى ذلك‏.‏ ولم يقل اعتدنا لهم كما قيل فيما مر للإشارة إلى أن أمر الجنات لا يكاد يتم بل لا يزال ما فيها يزداد فإن اعتاد الشيء وتهيئته يقتضي تمامية أمره وكماله‏.‏ وقد جاء في الآثار أنه يغرس للمؤمن بكل تسبيحة يسبحها شجرة في الجنة، وقيل‏:‏ التعبير بما ذكر أظهر في تحقق الأمر من التعبير بالاعتاد ألا ترى أنه قد تهيأ دار لشخص ولا يسكنها ولا يخلو عن لطف فافهم‏.‏

‏{‏جنات الفردوس‏}‏ أخرج ابن المنذر‏.‏ وإن أبي حاتم عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى أنه الكرم بالنبطية وأصله فرداساً، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن عبد الله بن الحرث أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس فقال‏:‏ جنة الأعناب بالسريانية، وقال عكرمة‏:‏ هي الجنة بالحبشية، وقال القفال‏:‏ هي الجنة الملتفة بالأشجار، وحكى الزجاج أنها الأودية التي تنبت ضروباً من النبات، وقال المبرد‏:‏ هي فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب‏.‏ ونص الفراء على أنه عربي أيضاً ومعناه البستان الذي فيه كرم وهو مما يذكر ويؤنث، وزعم بعضهم أنها لم تسمع في كلام العرب إلا في قول حسان‏:‏

وإن ثواب الله كل موحد *** جنان من الفردوس فيها يخلد

وهو لا يصح فقد قال أمية بن أبي الصلت‏:‏

كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة *** فيها الفراديس ثم الفوم والبصل

وجاء في شعر جرير في أبيات يمدح بها خالد بن عبد الله القسرى حيث قال‏:‏

وانا لنرجو أن نرافق رفقة *** يكونون في الفردوس أول وارد

ومما سمعه أهل مكة قبل إسلام سعد قول هاتف‏:‏

أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا *** على الله في الفردوس منية عارف

والحق أن ذكرها في شعر الإسلاميين كثير وفي شعر الجاهليين قليل، وأخرج البخاري‏.‏ ومسلم‏.‏ وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة»

وعن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعاً الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض والفردوس أعلى الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، وروى عن كعب أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر‏.‏ وصح أن أهل الفردوس ليسمعون اطيط العرش‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً الفردوس مقصورة الرحمن وكل ذلك لا ينافي كون الفردوس في اللغة البستان كما توهم إذ لا مانع من أن يكون أعلى الجنة بستاناً لكنه لكونه في غاية السعة أطلق على كل قطعة منه جنة فقيل جنات الفردوس كذا قيل‏.‏ واستشكل بأن الآية حينئذ تفيد أن كل المؤمنين في الفردوس المشتمل على جنات وهذا لا يصح على القول بأن الفردوس أعلى الدرجات إذ لا شبهة في تفاوت مراتبهم‏.‏ وكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات طائفة مخصوصة من مطلق المؤمنين مع كونه في مقابلة الكافرين ليس بشيء‏.‏ وقال أبو حيان‏:‏ الظاهر أن معنى جنات الفردوس بساتين حول الفردوس ولذا أضيفت الجنات إلى الفردوس‏.‏ وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لما أن الآية حينئذ تفيد أن جميع المؤمنين في جنات حول الفردوس ومن المعلوم أن منهم من هو في الفردوس‏.‏ وقيل‏:‏ الأمر كما ذكر أبو حيان إلا أنه يلتزم الاستخدام في الآية بأن يراد مطلق الجنات فيما بعد، وفيه مع كونه خلاف الظاهر ما لا يخفي‏.‏

وقيل المراد من جنات الفردوس جميع الجنات والإضافة إلى الفردوس التي هي أعلاها باعتبار استمالها عليها ويكفي في الإضافة هذه الملابسة، ولعلك تختار أن الفردوس في الآثار بمعنى وفي الآية بمعنى آخر وتختار من معانيه ما تكلف في الإضافة فيه كالشجر الملتف ونحوه، وظاهر بيت حسان وبيت أمية شاهد على أن للفردوس معنى غير ما جاء في الآثار فليتدبر‏.‏ واعلم أنه استشكل أيضاً ما جاء من أمر السائل بسؤال الفردوس لنفسه مع كونه أعلى الجنة بخبر أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً «إذا صليتم علي فاسألوا الله تعالى لي الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو» واجيب بأنه لا مانع من انقسام الدرجة الواحدة إلى درجات بعضها أعلى من بعض وتكون الوسيلة عبارة عن أعلى درجات الفردوس التي هي أعلى درجات الجنان، ونظير ذلك ما قيل في حد الإعجاز فتذكر، وقيل المراد من الدرجة في حديث الوسيلة درجة المكانة لا الماكن بخلافها فيما تقدم فلا اشكال، والجار والمجرور متعلق بمحذوف على أنه حال من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نُزُلاً‏}‏ أو على أنه بيان كما في سعيا لك وخبر كان في الوجهين ‏{‏نُزُلاً‏}‏ أو على أنه الخبر و‏{‏نُزُلاً‏}‏ حال من ‏{‏جنات‏}‏ فإن جعل بمعنى ما يهيأ للنازل فالمعنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس نزلا أو جعلت نفس الجنات نزلا مبالغة في الإكرام وفيه إيذان بأنها عندما أعد الله تعالى لهم على لسان النبوة من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رزقناهم تالله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشّرَ‏}‏ بنزلة النزل بالنسبة إلى الضيافة، وإن جعلت بمعنى المنزل فالمعنى ظاهر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً‏}‏ هو كما قال ابن عيسى وغيره مصدر كالعوج والصغر والعود في قوله‏:‏

عادني حبها عودا *** أي لا يطلبون عنها تحولا إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم وأرفع منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم وتطمح عنه أبصارهم وان تفاوتت درجاتهم، والحاصل أن المراد من عدم طلب التحول عنها كونها أطيب المنازل وأعلاها، وقال ابن عطية‏:‏ كأنه اسم جمع وكأن واحده حوالة ولا يخفى بعده، وقال الزجاج عن قوم‏:‏ هو بمعنى الحيلة في التنقل وهو ضعيف متكلف، وجوز أن يراد نفي التحول والانتقال على أن يكون تأكيداً للخلود لأن عدم طلب الانتقال مستلزم للخلود فيؤكده أو لأن الكلام على حد‏.‏

ولا ترى الضب بها ينجحر *** أي لا يتحولون عنها فيبغوه، وقيل في وجه التأكيد‏:‏ انهم إذا لم يريدوا الانتقاللا ينتقلون لعدم الإكراه فيها وعدم إرادة النقلة عنها فلم يبق إلا الخلود إذ لا واسطة بينهما كما قيل، والجملة حال من صاحب خالدين أو من ضميره فيه فتكو حالا متداخلة، وفيها إيذان بأن الخلود لا يورثهم مللاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏قُل لَّوْ كَانَ البحر‏}‏ أي جنس البحر ‏{‏مِدَاداً‏}‏ هو في الأصل اسم لكل ما يمد به الشيء واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر ‏{‏لكلمات رَبّى‏}‏ أي معداً لكتابة كلماته تعالى، والمراد بها كما روي عن قتادة معلوماته سبحانه وحكمته عز وجل ‏{‏لَنَفِدَ البحر‏}‏ مع كثرته ولم يبق منه شيء لتناهبة ‏{‏قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى‏}‏ لعدم تناهيها ‏{‏وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً‏}‏ عونا وزيادة لأن مجموع المتناهيين متناه بل جميع ما يدخل في الوجود على التعاقب أو الاجتماع متناه ببرهان التطبيق وغيره من البراهين، وهذا كلام من جهته تعالى شأنه غير داخل في الكلام الملقن جيء به لتحقيق مضمونه وتصديق مدلوله على أتم وجه، والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة المذكور عليها دلالة واضحة أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته تعالى لو لم نجيء بمثله مدداً ولو جئنا بمثله مدداً، والكلام في جواب ‏{‏لَوْ‏}‏ مشهور وليس قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَبْلَ أَن تَنفَدَ‏}‏ للدلالة على أن ثم نفاداً في الجملة محققاً أو مقدراً لأن المراد منه لنفد البحر وهو باقية إلا أنه عدل إلى المنزل لفائدة المزاوجة وإن ما لا ينفد عند العقول العامية ينفد دون نفادها وكلما فرضت من المد فكذلك والمثل للجنس شائع على أمثال كثيرة تفرض كل منها مدداً، وهذا كما في الكشف أبلغ من وجه من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وذلك أبلغ من وجه آخر وهو ما في تخصيص هذا العدد من النكتة ولم يرد تخصيص العدة ثم فيه زيادة تصوير لما استقر في عقائد العامة من أنها سبعة حتى إذا بالغوا فيما يتعذر الوصول إليه قالوا هو خلف سبعة أبحر، وفي إضافة الكلمات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم في الموضعين من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى، وإظهار البحر والكلمات في موضع الإضمار لزياد، ة التقرير، ونصب ‏{‏مَدَداً‏}‏ على التمييز كما في قوله‏:‏

فإن الهوى يكفيكه مثله صبرا *** وجوز أبو الفضل الرازي نصبه على المصدر على معنى ولو أمددنا بمثله إمداداً وناب المدد عن الإمداد على حد ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 17‏]‏ وفيه تكلف‏.‏

وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ وعمرو بن عبيد‏.‏ والأعمش‏.‏ وطلحة‏.‏ وابن أبي ليلى‏.‏ ‏{‏قَبْلَ أَنْ يَنفَدُ‏}‏ بالياء آخر الحروف، وقرأ السلمي ‏{‏أَن تَنفَدَ‏}‏ بالتشديد على تفعل على المضي وجاء كذلك عن عاصم‏.‏ وأبي عمرو‏.‏ فهو مطاوع نفد مشدداً نحو كسرته فتكسر‏.‏

وقرأ الأعرج ‏{‏بِمِثْلِهِ مَدَداً‏}‏ بكسر الميم على أنه جمع مدة وهو ما يستمده الكاتب فيكتب به، وقرأ ابن مسعود‏.‏

وابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ والأعمش‏.‏ بخلاف‏.‏ والتيمي‏.‏ وابن محيصن‏.‏ وحميد‏.‏ والحسن في رواية‏.‏ وأبو عمرو كذلك‏.‏ وحفص كذلك أيضاً ‏{‏مِدَاداً‏}‏ بألف بين الدالين وكسر الميم‏.‏ وسبب النزول أن حي بن أخطب كما رواه الترمذي عن ابن عباس قال‏:‏ في كتابكم ‏{‏وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 269‏]‏ ثم تقرؤون ‏{‏وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ ومراده الاعتراض بأنه وقع كتابكم تناقض بناء على أن الحكمة هي العلم وأن الخير الكثير هو عين الحكمة لا آثارها وما يترتب عليها لأن الشيء الواحد لا يكون قليلاً وكثيراً في حالة واحدة فالآية جواب عن ذلك بالإرشاد إلى أن القلة والكثرة من الأمور الإضافية فيجوز أن يكون الشيء كثيراً في نفسه وهو قليل بالنسبة إلى شيء آخر فإن البحر مع عظمته وكثرته خصوصاً إذا ضم إليه أمثاله قليل بالنسبة إلى كلماته عز وجل، وقيل سبب ذلك أن اليهود قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها ومبعوث إليه وانك أعطيت من العلم ما يحتاجه الناس، وقد سئلت عن الروح فلم تجب فيه‏؟‏ ومرادهم الاعتراض بالتناقض بين دعواه عليه الصلاة والسلام وحاله في زعمهم بناء على أن العلم بحقيقة الروح مما يحتاجه الناس وأنه صلى الله عليه وسلم لم يفده عبارة ولا إشارة والجواب عن هذا منع كون العلم بحقيقة الروح مما يحتاجه الناس في أمر دينهم المبعوث له الأنبياء عليهم السلام والقائل «أنتم أعلم بأمور دنياكم» لا يدعي علم ما يحتاجه الناس مطلقاً، وأنت تعلم أن الآية لا تكون جواباً عما ذكر على تقدير صحة كون ذلك سبب النزول إلا بضم الآية الآتية إليها ومع هذا يحتاج ذلك إلى نوع تكلف‏.‏